هناك تجاوب بين الإنسان والألوان في طرق عدّة، فلكل منا لون مفضل أو لون نستخدمه بكثرة في فترة معينة في حياتنا. إلا أن اللون الذي نستعمله لتصميم مشروع معين يمكن أن يقول الكثير عن العمل نفسه و هي حقيقة علمية مثبتة.

إن العلم الذي يبحث بالأسباب وراء تعلقنا بلون معين معقد للغاية، إلا أنه قد يتوضح الأمر عبر المعرفة العامة والتجارب العلمية. سنذكر خمس فرضيات وتجربة من الصف الخامس الابتدائي لتساعدنا في فهم تأثير الألوان على مشاعرنا.

1- يمكن أن نرتبط بدرجات لون معينة:

هل من الممكن أن تكون أدمغتنا مجهزة لتحب أو تكره ألوان معينة؟

إن الأمر متعلق باستجابة مشاعرنا لدى رؤيتنا للون معين. قام الباحثان (ستوتن) و (بيفل كونواي) من جامعة (ويلسلي) بإجراء بحث يربط بين النهايات العصبية والألوان.

من جهته أشار الباحث والفنان (كونواي) في بحثه إلى كيفية تحليل الدماغ للألوان وتأثيرها على المشاعر، وحول ذلك قال في مقابلة مع Design CO “أظنّ أن نظام الألوان فعّال ومسيطر للغاية”

يؤكد هذا البحث أيضاً على تغيير تأثير الألوان بناءاً على الألوان الأخرى الموجودة في مجال الرؤية وتعدّ هذه المشاعر عاملاً هاماُ أثناء حديثنا عن الألوان.

يذكر البحث أن نقاط معينة في أدمغة القردة تتنبه بشكل مختلف بناءاً على المحفزات اللونية وتستجيب تبعاً للون المُحفز. ويتنبه الدماغ لألوان معينة مثل الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم للألوان المشبعة. وبالتالي فإن هذه الألوان تؤثر مباشرة على مستخدمها وتلفت انتباهه.

لقد أثر هذا البحث على الفنانين أيضاً لدرجة أن الجميع يريد معرفة كيف يعمل الجهاز العصبي، كما سيتم تقدير هذه الظاهرة من قبل الجميع. أظنّ أن العديد من الفنانين والمصممين سيستفيدون من هذا، حيث سيزودهم ذلك برؤية إضافية للتفكّر في القرارات التي سيتخذونها.

2- تأثير الألوان بالأداء الإدراكي:

هل يمكن أن يؤثر لون ما على قدرتك الإبداعية؟

استناداً إلى دراسة أجريت من قبل مجموعة من الباحثين في جامعة (بريتش كولومبيا)، يمكن أن يساعد اللون الأحمر على التركيز وجعل الإنسان يعمل بدقة أكبر بينما يحفز اللون الأزرق على الإبداع. تناولت الدراسة لونين فقط (الأزرق و الأحمر) حيث شارك 600 شخص باختبار بصري و كانت تظهر كلمات باللونين الأزرق و الأحمر مع خلفية حيادية.

تدعم هذه التجربة معلوماتنا السابقة عن هذين اللونين حيث أن اللون الأحمر يساعد على التحفيز والنشاط بينما يدعو اللون الأزرق إلى الراحة والاسترخاء.

من المهم أيضاً أن ننتبه إلى سياق الموضوع، فالنظر إلى الكلمات ضمن خلفية حيادية بمعزل عن الموضوع العام يختلف عن محاولتك لاقناع الزبائن بمنتج أو علامة تجارية أو موقع ما، بالتالي تعدّ الألوان بغاية الأهمية عندما ترتبط بمضمون معين.  

3- الأحمر يعني لا:

عند التفكير باللون الأحمر يترائى إلى مخيلتنا مباشرة الفكرة العالمية المرتبطة بهذا اللون. حيث يرمز اللون الأحمر في العديد من الثقافات إلى الرفض أو “لا”.

وجدت دراسة قام بها باحثون من جامعة (دارتموث) الأميركية أن المشاعر الشائعة المرتبطة باللون الأحمر قد تكون فطرية.

قامت دراسة بتجارب على القردة ووُجد أن القردة يتحاشون البشر الذين يرتدون اللون الأحمر (بالمقارنة مع الذين يرتدون اللون الأزرق أو الأخضر). من جهة اخرى قال عالم الأعصاب (جيرالد كراليك):” إن حاسة البصر لدى الثدييات العليا والبشر قوية للغاية “. إن اللون يقدم رموز لكل شيء تقريباً من الأشياء المسموحة إلى الطعام وتحديد مشاعر الأشخاص في الظروف المختلفة.

“سنبدأ بملاحظة كيف أن للألوان تأثيراً عميقاً علينا أكثر مما كنا نظن سابقاً”.

تقدم هذه الدراسة معلومات هامة للمصممين – حيث يمكن للألوان أن تؤثر علينا من خلال أمور لم ندركها  بعد فعلى سبيل المثال يدل اللون الأحمر على التوقف.

4- تأثير الألوان على الحدس:

إن دراسة الألوان وتأثيرها ليست ظاهرة جديدة على الإطلاق. يمكن أن نجد تلك الدراسات ضمن أعمال فنية منذ مئات السنوات مثل كتاب (نظرية الألوان) ل (ولفانغ فون غوتيه) التي نُشرت عام 1801.

بالرغم أنه لم يكن عملاً فنياً إلا أن هذا الكتاب قدم معلومات أساسية عن ما نعرفه اليوم عن الألوان و عن أساسيات أبحاث مستقبلية.

نشر (غوتيه) أحد أول عجلات الألوان المرتبطة بالألوان الأساسية وتدرجاتها كما أنه شرح عن التأثير السيكولوجي للألوان، ولا تزال نظريته التي تتناول موضوع تأثير الألوان على المشاعر متداولة إلى حد الآن.

يعدّ هذا الكتاب رائعاً للمهتمين بنظريات الألوان، لذلك سنذكر أحد أهم النقاط نظريات (غوتيه):

الأحمر: ” يملك هذا اللون بطبيعته تأثيراً مميزاً حيث يعطي انطباعاً مليئاً بالجاذبية والوقار وفي الوقت ذاته بالجمال والسحر…. يروي التاريخ العديد من حوادث غيرة الناس من الملوك بسبب تمكنهم من ارتداء اللون الأحمر، فاستخدام هذا اللون له مفعول قوي ورائع”.

الأصفر: ” يحمل هذا اللون في طبيعته النقية إشراقاً دائماً كما يمتلك مرحاً صافياً وشخصية ناعمة وحماسية ويمنح حالة من الفرح والقبول. نجد فيه نُبلاً وصفاءً في أقصى طاقته ومن جهة أخرى، فهو أكثر عرضة للتلوث”.

الأزرق: ” تبرز قوة هذا اللون من خلال تدرجاته – لكن في جانبه المظلم وسلبيته المثيرة يكمن نقاءه. يوحي مظهره مزيجاً متناقضاً من الحماسة والسكون كلون السماء والجبال البعيدة”.

الأخضر: ” إذا مُزج اللونان الأساسيان (الأزرق والأصفر) بشكل متساوي بحيث لا يطغى أي منهما على الآخر، سيشعر العقل وعين الإنسان بالراحة لدى رؤية هذا المزيج الذي يكمن في هذا اللون البسيط، فلن يتمكن الناظر من تخيل حالة أفضل من ذلك”.

5- تأثير ألوان العلامات التجارية بسلوك المستهلك:

إن الألوان المحددة التي تُستخدم في تصميم العلامات التجارية للشركات تترك أثراً كبيراً في نظرة المستهلك للعلامة التجارية والشركة ككل. ووفقاً لدراسة أجراها باحثون في جامعة (ميسوري) في كولومبيا وُجد أن هناك صلة خاصة بين ألوان العلامات التجارية وإحساس المستهلك تجاه هذه الألوان.

– فالشعارات ذات اللون الأزرق تعطي انطباعاً بالنجاح والطمأنينة والثقة.

– تبعث الشعارات الخضراء شعوراً بالقوة والاستمرارية والثبات والرجولية والحفاظ على البيئة.

– تعطي الشعارات الأرجوانية احساساً بالأنوثة والتألق والجمال.

– تعطي الشعارات الوردية شعوراً بالشباب والخيال والموضة.

– تثير الشعارات الصفراء إحساساً بالمرح والحداثة.

– تمنح الشعارات الحمراء انطباعاً بالخبرة والثقة بالنفس.

تُغييّر هذه النتائج الجديدة الأفكار التي كنا نربطها مع ألوان محددة كما صرّح (ريدجواي لساينس دايلي): “من بين جميع الصفات التي تربط الشعارات بالألوان، كانت الصفات المرتبطة باللون الأحمر الأكثر مفاجأةً”. إن المشاعر التقليدية التي ترتبط باللون الأحمر تعبر عن الرومانسية والعدائية إلا أن الشعارات الحمراء لم تتطرق إلى هذه المشاعر في هذه الدراسة، ويعود ذلك إلى حقيقة أن اللون الأحمر استعمل في تصميم العديد من شعارات الشركات المرموقة مثل (ماكدونالدز) و (إسبن) و (ستايت فارم) بالنتيجة يوجد لدى المستهلكين مشاعر مرتبطة بالشعارات التي تستخدم هذا اللون.

إن السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة على المصممين:

” هل بإمكاننا تغيير النظرة المسبقة المرتبطة بالألوان؟ وهل تستحق تلك التجربة العناء؟”.

تجربة للمصميمن

إن تحديد كيفية تأثير الألوان المستخدمة في تصاميمك على المستخدمين ليس بالأمر المعقد. هذه التجربة مستوحاة من فكرة لمشروع علمي مدرسي للصف الخامس ويمكننا تجربتها على أي مشروع تصميم نريد.

  • حضّر عدّة نسخ من التصميم ذاته بأنماط لونية مختلفة.
  • جِد عدّة متطوعين ليجيبوا على أسئلة متعلقة بالتصميم على مدى عدة أيام.
  • أسأل عن شعور المتطوع عن التصميم كل يوم بحيث يرى نسخة مختلفة من التصميم كل يوم
  • قارن بين نتائج المتطوعين.

الخلاصة:

قد يكون العلم وراء الألوان، مزجها والمشاعر المرتبطة بها أمراً معقداً وبما أن العلم يمنح الكثير من المعلومات للمصممين والفنانين كل يوم كذلك يمكن أن يعطي المجال للكثير من التساؤلات عن ارتباط المشاعر بالألوان.

هناك ألوان معينة نستعملها بكثرة وأخرى نستعملها بشكل ضئيل في مشاريعنا، قد يكون استخدامنا لألوان معينة يعتمد على الحالة المزاجية والمشاعر الخاصة. وبغض النظر عن ذلك، يقدم العلم مجالاً واسعاً لطرح الأسئلة عن عملية التصميم واختيار الألوان، على سبيل المثال كيف سيشعر المستخدمون حيال هذا المشروع وما العلاقة التي تريد أن تخلقها بينهم وبين المشروع؟. 

العلم وراء الألوان و المشاعر

| أخبار, كواليس, مقالات |