بمجرد ذكر اسم أدولف هتلر يتراءى إلى مخيلتنا مباشرة صورة الديكتاتور المسؤول عن موت الملايين من الناس في أحد أكبر المجازر التي عرفها التاريخ. إلا أنه توجد العديد من الأسرار والقصص المخبئة وراء تلك الصورة كقصة الرسام المتجول البائس.

إنه لمن الصعب تقييم علاقة هذه الشخصية التاريخية السيئة بالفن بموضوعية تامة وخاصة عندما يتعلق الأمر بفن هتلر بالذات، من الواضح أنه كان لهتلر رحلة طويلة في مجال الفن كما أن إخفاقه الواضح في هذا المجال يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو نجاحه في مجال السياسة.

أشار الكاتب جوناثان جونز بوضوح إلى صعوبة هذا الموضوع حيث زار جناح لوحات القذافي الابن في معرض كينزينغتن غاردنز في لندن، وحين تأمّل تلك اللوحات استنتج أن الفنان السيء ليس إنساناً سيئاً بالضرورة لكن هل العكس صحيح؟ هل يمكن للإنسان السيء أن يكون فناناً جيداً؟

عند المقارنة بين فن القذافي وشخصيته استنتج جونز أن الاستبداد والفن الهابط مترابطان. تتحدث العديد من المصادر الرومانية القديمة عن “تسلّط المستبدين” وتقييم فنهم. تحدث سويتونيوس في كتابه ” الأباطرة الأحد عشر” عن الفن الهابط واستخدام الصور الإباحية في تزيين منزل تيبيريوس في كابري، كما حلّل المؤرّخ تاسيتوس حب الإمبراطور نيرو للأعمال والمنحوتات الضخمة زاعماً أن هناك رابط بين شخصية الإمبراطور والبرود واللاإنسانية التي تتسم بها زينة أبنية الإمبراطورية.

الأمثلة التي ذُكرت عن القذافي والطغاة القدماء في التاريخ تظهر تشوهاً في ذوقهم الفني، وذلك ليس بسبب خللٍ في شخصيتهم الفطرية بل بسبب نقص في العلاقات الإنسانية التي ينتج عنها تضارب بالنسبة للاندماج في المجتمع، فقد وُلدوا وتربوا في بيئة يصعب على عامّة الناس تخيلها وهذا ما يفسّر فنهم المضطرب وذوقهم الفني.

لكن ماذا يمكننا أن نقول عن فن طاغية وُلد في عائلة مغمورة اجتماعياً؟ لا يمكننا أن نقارن هتلر بتيبيريوس و نيرو لأنه لم يترعرع في عقر سلالة من الحكام و الأباطرة فقد عاش حياة عادية وطبيعية.

إن ذلك الأمر يطرح سؤال مهماً: هل كان هتلر فناناً موهوباً؟ إذا كان موهوباً فعلاً، فهل يعكس فنّه الصورة التي عرفها عنه العالم بأسره؟ لا نستطيع سوى التكهن بذلك لأننا لا نستطيع أن نحلل فنّ هتلر بموضوعية مع أخذ تاريخه الاستبدادي في الحسبان. بالرغم من ذلك علينا أن نأخذ شخصية الديكتاتور بعين الاعتبار إذا أردنا أن نحصل على الصورة كاملة، وهذا ما يجعل الموضوع مثيراً للاهتمام.

فنّ هتلر:

من المعروف أن الفن قد لعب دوراً كبيراً في حياة هتلر، على عكس ما يظنه الكثيرون – الأمر الذي مهّد لشخصيته البغيضة – لم يكن هتلر دهّان منازل بل كان فناناً بالرغم من أن أعماله لم تكن جيدة بشكل كافي بالنسبة لرأي بعض الخبراء الفنيين. من المرجح أن صورة هتلر ” كدهّان منازل” قد رافقت هتلر دائماً بسبب البروبوغندا الضِدّ فَاشِسْتِيَّة. في عام 1939 نُشرت صورتين للرسام الكاريكاتوري الفرنسي جان إيفيل في عدّة جرائد فرنسية مهمّة، جسّدت تلك الصور هتلر كدهّان منازل و هو يقوم بطلاء النّمسا و تشيكوسلوفاكيا باللون البني و الذي يرمز حتماً للسيطرة الألمانية. من المتوقع أن تكون تلك الرسوم الكاريكاتورية الأساس لأساطير التي تدعى أن هتلر كان يعمل في طلاء المنازل أو على الأقل ساعدت على نشر تلك الإشاعات.

لاحقاً أصبح فنّ هتلر وأعماله ذات أهمية كبيرة وخاصّة بعد خوضه في السلك السياسي، فغدت لوحاته المائية مرغوبة كجزء من المجموعة الألمانية الخاصة في فترة الأربعينيات سرعان ما أُبقيت سرية ودُمرت لاحقاً. بعض لوحات هتلر قد تمّ تزويرها، وأشهر من زوّر لوحاته كان كونراد كوجاو، الذي باع أكثر من 300 لوحة مزورة بالإضافة إلى مذكرات هتلر المزورة لصحيفة (ذا ستيرن) مقابل 10 ملايين مارك ألماني.

أدولف هتلر: لوحة مريم العذراء وابنها المقدس الّسيد المسيح SciArt.eu

حاول هتلر قصار جهده لينال فنه تقدير الآخرين. والخطوة الأولى لتحقيق هدفه –والتي تثبت موهبته إلى حدّ معين- هي الحصول على قبول لتعلم الفن رسمياً، فقد قام بتقديم طلبين لأكاديمية الفنون الجميلة في فيينا، وبالرغم من حماسته واجتهاده رُفض طلبه، وقد علّقت لجنة الأكاديمية “أن هتلر لديه موهبة في النحت أكثر من الرّسم”. في كلا المحاولتين كانت ردود اللجنة بمثابة ضربات عنيفة على هتلر إلا أنه لم يستسلم. وعلى الرغم من قلّة نجاحه قرر أن يكسب معيشته بالعمل كرسّام في فيينا ولاحقاً في ميونيخ ولم يبحث عن خيارات أخرى آنذاك.

كان أسلوب هتلر اتجاه فنّه يتصف بالغموض والريبة، ففي فترة معينة تخيّل هتلر نفسه فناناً محترفاً إلا أنه وخلال رحلته السياسية كان يرفض جميع أنواع الفنون وحتى فنّه الخاص. ويمكن إثبات أنه وحتى بعد نجاحه في السياسة لم يكن لديه نيّة بالاحتفاظ بأي من لوحاته رغم إصرار الكثير من جامعي اللوحات الفنيّة بإعادتها له.

أدولف هتلر: ساحة منزل قديم (ميونخ, 1914)، قبل الحرب العالمية الأولى عانى هتلر كفنان في فيينا عاصمة الإمبراطورية المجرية النمساوية.

رأى هتلر أن الأكاديميين المتحفظين كانوا وراء فشل مهنته كفنان، وخلال فترة حكمه كرئيس للوزراء قام بالانتقام منهم وذلك بمنع عرض أي لوحة تحمل انطباعاً فاسداّ أو يهودياً أو مرتبط بالسود. بالحقيقة كانت تلك اللوحات تعبر عن الاتجاه السائد الحديث.

يتصّف فن هتلر بالصمت والسكون، فمعظم لوحاته تصور مبانٍ وشوارع خالية، وبالنسبة لرأي النقاد كان هتلر شديد الإبصار ويمتلك يد بارعة برسم المواضيع التي يختارها.

 يقدّر عدد أعماله منذ بداية مهنته الفنية من عام 1910 إلى 1914 بين ألفين إلى ثلاثة آلاف لوحة. في الوقت الحالي تبقت 700 لوحة موزعة بين الأرشيف والمجموعات الخاصة.

لكن ماذا يمكننا القول عن تلك اللوحات؟ هل لا زلنا نستطيع القول إن هناك رابط بين الطغاة والحياة القاحلة التي كانوا يعيشونها؟ الجواب هو حتما لا. فعلياً لم يكن هتلر مثل بيكاسو لكن لا يوجد أي دليل قاطع على وجود أثر للاستبداد أو الفن الهابط أو عدم الاحتراف في لوحاته.

منحت حياة هتلر السياسية شهرة واسعة للوحاته، فلم يكن بمقدوره أن يكون فناناً مشهوراً، إلا أنه منح الشهرة لفنه بفضل حياته السياسية.

أدولف هتلر: قصر نويشفانشتاين (التاريخ مجهول) Photo: Weidler

دخلت مجموعة مؤلفة من 14 لوحة مائية وزيتية ضمن مزاد وايلدر العلني في نورنبرغ لتحصد 400,000 يورو أو 450,000 دولار. اللوحة الأغلى ثمناً والتي بِيعت ب 100,000 يورو بيعت لمشترٍ من الصين، وهي لوحة قصر نويشفانشتاين للملك لودفينغ الثاني و الذي يعدّ وجهة مهمة للسياح، كما بيعت لوحة زهور ب 75000 يورو.

أدولف هتلر: زهرية الأزهار الجميلة (1912)

قدِم مشترو لوحات هتلر من جميع أنحاء العالم وخاصة من البرازيل والإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا. قالت كاثرين وايلدر من دار المزاد لصحيفة DPA:” لم يكن المشترين للوحات هتلر مختصين بلوحات هذا الفنان بالتحديد إلا أن كان لديهم اهتمام كبير بالفن الراقي”.

لوحة مائية من أعمال هتلر المعتدلة (دار البلدية القديمة) The Old Town Hall (1914-1915) بيعت بمبلغ قدره 130,000 يورو أو 147,000 دولار.

سُحبت لوحة أزهار مريعة من مزاد Nate D. Sanders Fine Autographs and Memorabilia في لوس أنجلس في آذار من هذا العام.

أراد هتلر بداية أن يكون فناناً فقدّم طلب انتساب لأكاديمية فيينا للفنون الجميلة إلا أنه رُفض, فقام ببيع لوحات قام بنسخها من البطاقات البريدية للسياح.

في مقال نُشر في تشرين الأول من عام 1939 في مجلة لايف (Life Magazine): أخبر هتلر السفير البريطاني مراراً وتكراراً ” أنا فنان ولست سياسياً ” وأكمل قائلاً: ” عندما يُسوى الوضع البولندي سأنهي حياتي كفنان”. لا حظر على بيع لوحات القائد النازي في ألمانيا طالما لا تخرق تلك اللوحات أي حظر أو تُظهر أي رمز ممنوع.

أدولف هتلر, فنان أم طاغية؟

| أخبار, فنون, مقالات |