القصة وراء نجاح الاستوديو

جميعنا يعرف استوديو بيكسار الشهير الذي أنتج أحد أعظم أعمال الرسوم المتحركة في وقتنا هذا، إلا أن الحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون هو أن هذا الاستوديو الناجح كان له بداية متواضعة.

في الحقيقة أثناء السنوات الأولى لعمل الاستوديو كان على وشك الإفلاس وخسارة ملايين الدولارات بالرغم من نجاح فلم (Toy Story). سنتحدث في هذا المقال عن قصة نجاح استوديو بيكسار وكيف أن نجاحه كان ممكناً بفضل ثلاثة أشخاص يحملون مواهب مختلفة: فنان وعالم ورجل أعمال ليجتمعوا وينشئوا هذا الاستوديو الرائع.

الفنان:

يدعى فنان بيكسار جون لاسيتر، الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل مخرج والذي أخرج أحد أفضل أفلام بيكسار مثل (Toy Story). كان في عام 1975 مجرد متدرب مبتدئ في برنامج  Cal Arts حيث أنه كان يتعلم أسلوب ديزني في الرسوم المتحركة آنذاك.

كان البرنامج بإدارة أحد أكبر عمالقة شركة ديزني التسعة، كان كل من تيم بورتون و براد بيرد من ضمن زملاء لاسيتر في التدريب ليصبحوا في ما بعد أحد أهم صنّاع الأفلام في العالم.

خلال فترة تدريبه على الرسوم المتحركة في Cal Art  قام جون بصنع عملين حازا على جائزتي الأوسكار، و بعد تخرجه حصل جون على المهنة التي كان يحلم بها ألا وهي العمل في استوديوهات والت ديزني للرسوم المتحركة.

خلال عمله في تحريك الرسوم في شركة ديزني فشل جون باستخدام الكومبيوتر لتحريك الرسوم فاقترح استخدام الكومبيوتر في رسوم الخلفيات والطريقة التقليدية لرسم الشخصيات. واستشار المسؤولين في الشركة فأجابوا: ” السبب الوحيد الذي سيجعلنا نستخدم الكومبيوتر في الرسوم المتحركة هو جعل عملية صناعتها أرخص أو أسرع”. بعد فترة قصيرة من اقتراح جون، طُرد من استوديو ديزني.

العالِم:

في الفترة ذاتها تقريباً عيّن جورج لوكاس شاب يُدعى إد كاتمول لتطوير نظام إعدادات الأفلام ونظام إعدادات الصوت الرقمي و ذلك لتطوير الرسوم الحاسوبية ووضع حجر الأساس للمؤثرات البصرية للأفلام. ترعرع إد كاتمول على حب الرسوم المتحركة فكان من متابعي الكارتون وأفلام ديزني القديمة خلال طفولته، إلا أنه تخلّى عن حلمه في العمل كمحرك للرسوم ظناً منه أنه لا يمتلك الكفاءة لذلك ليعمل في مجال العلوم.

درس إد علوم الحاسوب في جامعة يوتاه وحصل على درجة الدكتوراه، ليضع حجر الأساس لمجال الصورة الحاسوبية حيث أنه حصل على فرصة إدارة مختبر الصور الحاسوبية في NYIT.

كان إد عالماً متميزاً حيث أنه المسؤول عن ابتكار أحد أهم المبادئ في الرسوم المتحركة الرقمية مثل z-buffer و تخطيط البنية و تقسيم السطوح حتى أنه ابتكر الرسوم الثلاثية الأبعاد التي نعرفها الآن.

خلال عمله لدى شركة لوكاس للأفلام طلب إد من جون أن ينضم إلى شركته عندما قابله في أحد المهرجانات، حيث أن كل من جون وإد كان لديهم حلم مشترك بانتاج أول فلم رسوم متحركة باستخدام الحاسوب وبدأ الإثنان في الحال عام 1983، إلا أن ذلك الحلم بقي بعيد المنال.

أُطلق على القسم الذي يعمل فيه كل من جون وإد في شركة لوكاس اسم (قسم رسوم الكومبيوتر) والذي أنتج أحد أروع الأفلام التي تستخدم تقنية الحاسوب في ذلك الوقت. أنتج هذا القسم أيضاً مشاهد كاملة من فلم (Star Trek The Wrath of Khan) وأول شخصية باستعمال تقنية الحاسوب وهي شخصية شارلوك هولمز الشاب.

ومن خلال هذا القسم الصغير قام جون بانتاج أول فلم قصير باستخدام الحاسوب لتحريك رسوم الكارتون تحت عنوان (The Adventures of Andre and Wally B.).  

إن صنع المشاهد المعقدة يحتاج إلى حاسوب ذو مواصفات عالية، أطلق على ذلك الحاسوب المتطور اسم حاسوب بيكسار، وبسبب زيادة الطلب على الرسوم الحاسوبية والصور الحاسوبية المتطورة في الصناعات الأخرى تم تسمية قسم رسوم الكومبيوتر ببيكسار.

لم يتوقف إد عن حلمه بانتاج أول فلم طويل باستخدام الحاسوب إلا أن ذلك لم يكن من ضمن اهتمامات جورج لوكاس. لذلك بحث إد عن مستثمر آخر ليتبنى تلك الفكرة العملاقة، انتظر إد لفترة طويلة بدون الحصول على مستثمر لفكرته.

رجل الأعمال:

في الفترة ذاتها في كابرتينو أنشأ ستيف جوبز الذي طُرد من شركة آبل شركته الخاصة التي تدعى (Next)، كان ستيف من أحد المستثمرين المهتمين ببيكسار وقرر أن يستثمرها. أشترى ستيف بيكسار من جورج لوكاس بقيمة 5 ملايين دولار مع إنفاقه حوالي ملايين دولار إضافية لبدأ عمل الشركة.

بعد ذلك أراد الفريق صنع فلم انيميشن قصير آخر و ذلك لإثبات شخصيتهم و وجودهم في عالم صنع الأفلام، كان جون يحب تحريك الأجسام الجامدة لذلك قام بصنع فلم رسوم متحركة عن حمل يدعى لوكسو جونيور (Luxo Jr) , حصل هذا الفلم القصير لاحقاً على ترشيح لنيل جائزة الأوسكار و بذلك كان يعدّ أول فلم مصنوع بواسطة الحاسوب كلياً يحصل على هذا الترشيح، و منذ ذلك الحين أصبح ذلك الحمل التميمة الجالبة للحظ لشركة بيكسار.

رغم ذلك النجاح المدوي كانت شركة بيكسار تعاني، قامت الشركة بترخيص برنامج رندرمان (Renderman) للإظهار والذي أصبح بمثابة البرنامج الرئيسي للمؤثرات البصرية في صناعة الأفلام حيث أنه استعمل في كثير من الأفلام الرائدة مثل جوراسيك بارك (Jurassic Park)، إلا أنه وبالرغم من ذلك لم تستفد الشركة من ذلك مالياً.

لذلك بدأوا بصنع الإعلانات التجارية للحصول على زبائن مثل شركة ترايدنت وتروبيكانا، حتى أنهم قاموا بصنع إظهارات طبية وصور خاصة بالزلازل وباعوا جهاز (حاسوب بيكسار) الباهظ الثمن، وبالرغم من كل تلك الجهود لم يستطيعوا تسويق منتجهم بشكل كاف ليدر عليهم أرباحاً مرضية. كان ستيف جوبز يخسر ما يقارب المليون دولار كل سنة على مدى خمس سنوات.

صنع الأفلام القصيرة

لم تمنع المشاكل المالية الكبيرة التي حلّت على الفريق من صنع المزيد من أفلام الأنيمشين القصيرة. ففلمهم الثالث تحت عنوان تن توي (Tin Toy) يروي قصة مجموعة من الألعاب التي تحاول الهرب من قبضة طفل مخيف و ربح هذا الفلم جائزة أوسكار عام 1988. لاحظت شركة ديزني التي طردت جون من وقت ليس ببعيد نجاح أفلامه وطلبت منه أن يعود للعمل معهم ليخرج فلم طويل. لقد كان ذلك حلم جون الأبدي ولكن بالرغم من أنه كان يعمل مع شركة على وشك الإفلاس، رفض العرض وبقي مع بيكسار على أمل أن يصنع أول فلم أنيميشن طويل باستخدام الحاسوب.

بعد نجاح فلم تن توي بقيت فكرة صنع فلم عن الدمى لا تفارق ذهن جون. بعد رفضه لعرض ديزني أدرك جون أن إنتاج فلم طويل بارز يحتاج إلى الدعم المالي من استوديو أضخم لتسويق وتوزيع الفلم وكانت شركة ديزني المرشح الأفضل لتلك الفكرة، قام جون بعرض الفكرة على ديزني وأعجبوا بها كثيراً.

القيام بالأمور بشكل مختلف

في ذلك الوقت كانت أفلام الأنيميشن الطويلة تحمل طابعاً واحد فقط ألا وهو طابع ديزني، كان ذلك الطابع سائداً للغاية لدرجة أنه حين طُلب من توم هانكس أن يؤدي صوت أحد الشخصيات في الفلم قال لهم: “لن تجعلونني أغني أليس كذلك؟”

لكن طاقم عمل بيكسار أرادوا أن يتم العمل بشكل مختلف لذلك كانت لديهم بعض الشروط:

  • لا يوجد أغاني
  • لا يوجد لحظات “أنا أريد”
  • لا يوجد قرية سعيدة
  • لا قصة حب
  • لا أشرار

و قد وقفت تلك الشروط بوجه كل ما كان متعارف عليه في عالم الأنيميشن في ذلك الوقت. بالرغم من رغبة بيكسار بفعل الأمور بشكل مختلف كان القائمون على ديزني يقومون بتوجيههم وإعطائهم الملاحظات ظناً منهم أنهم الاستوديو الأكثر خبرة في صناعة أفلام الأنيميشن.

بعد عام من التحضيرات للقصة بقيادة ديزني تبلورت فكرة عمل تحت اسم قصة لعبة Toy Story.كرهت ديزني ذلك العمل فالفكرة كانت مضحكة و غير محمسة و كانت شخصية وودي فظيعة. من الواضح أن فكرة العمل لم تكن ناجحة لذلك ألغت ديزني فكرة انتاج العمل في اليوم التالي. 

إعادة عمل Toy Story

كادت تلك الفترة تكون نهاية بيكسار، إلا أن جون لم يستسلم للفكرة التي كان يؤمن بها. وبغضون ثلاثة أسابيع قام جون بمساعدة فريق صغير ومتألق بإعادة طرح القصة كما أرادها في السابق من دون ملاحظات وأفكار القائمين على ديزني “الأكثر خبرة”.

قاموا بتصوير الفلم فيما بعد وهذه المرة نجحت قصة العمل بشكل رائع ليتابعوا انتاجه من جديد.

استغرق صنع الفلم حوالي خمس سنوات وعند إطلاقه عام 1995 حقق إيرادات ضخمة ليصبح أكثر فلم ناجح للعام بأرباح تقدر ب 192 مليون دولار في أميركا و362 مليون دولار عالمياً. حصد الفلم فيما بعد ثلاثة ترشيحات للأوسكار و حصل جون على جائزة الانجاز المميز لصنعه أول فلم أنيميشن طويل باستخدام الحاسوب.

من الواضح أن بيكسار كانت على الطريق الصحيح حيث أن الاستوديو حقق نجاحاً ملحوظاً و بذلك زالت جميع مخاوفهم.

تسجيل أسهم الشركة في البورصة:​

بالرغم من النجاح الساحق كان هناك مشكلة واحدة، بالنسبة إلى الصفقة التي عقدتها بيكسار مع ديزني لم يكن لبيكسار الحق بالحصول على أي من إيرادات الفلم وبالتالي لم تحصل الشركة على أي أرباح مما جعلهم يعانون مالياً. و كان الحل الوحيد أمامهم هو تسجيل أسهم الشركة في البورصة. لحسن الحظ حظيت بيكسار بأعلى نسبة أسهم لعام 1995 متخطية بذلك شركة نيتسكيب بزيادة قدرها 135 مليون دولار.

أرادت ديزني أن تجدد عقدها مع بيكسار فقاموا بتوقيع عقد جديد ينص على إنتاج خمسة أفلام جديدة على مدى العشر سنوات المقبلة على أن تقتسم الأرباح بين الشركتين بنسبة 50/50.

بالرغم من ذلك كانت شركة بيكسار لا تزال شركة فتية حققت نجاحاً واحداً فقط عبر فلم Toy Story  حيث اعتبره الكثيرون ضربة حظ ناجحة لذلك كان لا بد من إنتاج عمل ثان يحدد مستقبل الشركة. لحسن الحظ حقق فلم  Bug Life نجاحاً باهراً باعتباره أفضل فلم انيميشن للعام.

الانتقال إلى إميرفيل:

بدأ استوديو بيكسار بالازدهار بشكل ملحوظ حيث أصبح المقر الأساسي صغيراً جداً لاستيعاب الموظفين العاملين هناك، لذلك اختار ستيف أرض كبيرة في إميرفيل لتكون المقر الجديد لبيكسار وكان تصميم المقر يعتمد على المساحات المفتوحة والتعاون العشوائي. فبدلاً من تواجد الموظفين في غرف صغيرة ضمن عدّة طوابق اعتمد التصميم على مساحة واحدة كبيرة ليعمل فيها الموظفين من مختلف المجالات، في عام 2000 انتقل فريق بيكسار إلى المقر الجديد وبقوا فيه إلى يومنا هذا.

بعد ذلك استمرت بيكسار في تحطيم الأرقام القياسية عبر إنتاج أحد أنجح أفلام الأنيميشن في التاريخ لكن المشاكل استمرت بالتوافد.

كان عقد بيكسار مع ديزني لا يزال موجوداً إلا أن علاقتهم كانت متوترة و على وشك الانتهاء. كان العقد ينص على أن ديزني لديها الحق بانتاج أجزاء جديدة من أفلام بيكسار إذا أرادت ذلك لكن جون لم يستطع تحمل ذلك فكان الأمر أشبه بتربية أولادك من قبل شخص آخر.  

الاندماج مع ديزني

لحسن حظ الجميع طرأ تغيير على إدارة ديزني واستلم بوب ايغر منصب رئيس الإدارة، كان هدف بوب إيغر هو إعادة ديزني إلى أيام مجدها القديم لذلك وخلال أسبوعه الأول كرئيس لديزني عقد بوب اجتماعاً مع ستيف جوبز في محاولة لدمج شركة بيكسار مع ديزني ظناً منه أن لدى بيكسار شيئاً لا تملكه ديزني.

بدى الأمر بالكارثة لدى العاملين في شركة بيكسار بشكل أخص بعد التجربة السلبية مع ديزني وخوفهم من فقدان هوية بيكسار لكن ستيف شعر أن بوب مختلف ويمتلك نظرة واضحة عن مستقبل الشركتين. عملت الشركتان معاً بجد لفترة طويلة و في عام 2006 اشترت ديزني شركة بيكسار مقابل 7.4 مليار دولار.

جعلت الصفقة ستيف جوبز أكبر مساهم في شركة ديزني وجون لاسيتر رئيس المكتب الإبداعي في كل من بيكسار وديزني بالإضافة إلى إشرافه على جميع مدن الألعاب ديزني أما إد كاتمول أصبح رئيس استوديوهات ديزني وبيكسار للأنيميشن.

استمر الاستوديو بإنتاج عمل ناجح تلو الآخر حيث فاز بالعديد من جوائز الأوسكار. و في عام 2010 أصبح فلم Toy Story 3  أنجح فلم أنيميشن في التاريخ.

بعد العديد من سنوات المعاناة وعدم اليقين والعيش في خوف الخسارة والإفلاس نجحت بيكسار بفضل إخلاص وموهبة فنان واحد و عالم واحد و رجل أعمال واحد.

القصة وراء نجاح استديو بيكسار

| أخبار, كواليس, مقالات |